شهدت الوضعية المائية بالمغرب تحسنا غير مسبوق خلال الموسم الحالي، بعدما بلغت الموارد المائية المخزنة بالسدود، إلى غاية 15 فبراير 2026، حوالي 11.8 مليار متر مكعب، بنسبة ملء وطنية وصلت إلى 70.3 في المائة، مسجلة ارتفاعا قياسيا يناهز 153 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية.
هذه الأرقام تمثل تحولا لافتا في المسار المائي للمملكة، خاصة أن المغرب لم يسجل مثل هذه الحصيلة منذ سنوات، بعد توالي سبع سنوات من الجفاف الحاد أثرت بشكل كبير على المخزون الاستراتيجي للسدود.
فخلال ذروة الأزمة، تراجعت نسبة ملء السدود إلى حوالي 27 في المائة فقط، وهو مستوى مقلق وضع البلاد أمام تحديات حقيقية مرتبطة بتأمين الماء الصالح للشرب، وضمان سقي الأراضي الفلاحية، والحفاظ على التوازنات البيئية.
تلك المرحلة اتسمت بضغط كبير على الموارد المائية، وفرضت اعتماد تدابير استثنائية، من قبيل تقليص حصص السقي في عدد من الأحواض، وإطلاق برامج استعجالية لتأمين التزويد بالماء في المدن والقرى، وتسريع مشاريع تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
التحسن الحالي يعود بالأساس إلى التساقطات المطرية والثلجية المهمة التي عرفتها مختلف مناطق المملكة خلال الموسم الحالي، والتي ساهمت في رفع منسوب السدود بشكل ملحوظ، كما يعكس، في جانب آخر، نجاعة المقاربة الاستباقية التي تبناها المغرب في تدبير الإجهاد المائي، عبر تنويع مصادر التزود بالماء وتعزيز البنيات التحتية المائية.
فالمملكة، تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، أطلقت خلال السنوات الأخيرة مشاريع مهيكلة كبرى في مجال الأمن المائي، شملت بناء سدود جديدة، وتسريع وتيرة تحلية مياه البحر، إلى جانب الربط بين الأحواض المائية لتجاوز الاختلالات المجالية في توزيع الموارد.
رغم المؤشرات الإيجابية الحالية، إلا أن الخبراء يحذرون من اعتبار هذا التحسن نهاية لأزمة الماء في المغرب. فالتغيرات المناخية تجعل من التساقطات غير منتظمة، وتكرس طابع الندرة البنيوية للموارد المائية في بلد يصنف ضمن المناطق شبه الجافة.
وعليه، فإن الحفاظ على نسبة ملء تناهز 70 في المائة يشكل فرصة لإعادة بناء الاحتياطي الاستراتيجي، لكنه لا يعفي من ضرورة ترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك، وتسريع الانتقال نحو نموذج مائي أكثر استدامة، قائم على النجاعة، والابتكار، والتضامن المجالي.
بعد سبع سنوات صعبة كادت أن تنزل بالمخزون الوطني إلى مستويات حرجة (27 في المائة فقط)، تبدو المملكة اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها الانفراج، ولكن بثقة حذرة.
فالتحسن المسجل يمنح نفسا اقتصاديا واجتماعيا مهما، خاصة للقطاع الفلاحي، غير أن التحدي الأكبر يظل في تحويل هذا التحسن الظرفي إلى استقرار دائم يضمن الأمن المائي للأجيال القادمة.