كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن الجزائر تسعى لاستعادت حضورها في منطقة الساحل، مستفيدة من التطورات الأمنية المتسارعة في مالي، حيث لعبت دورا مباشرا في تأمين إجلاء مقاتلين روس من شمال البلاد، في سياق ميداني معقد قد يفتح المجال أمام عودة نفوذها الإقليمي.
وأفاد التقرير، الصادر أمس الأربعاء، أن هذا التحرك الجزائري جاء عقب تطورات عسكرية لافتة، خاصة في منطقة كيدال، حيث فرضت جماعات مسلحة واقعا جديدا على الأرض، ما دفع إلى التدخل لتأمين انسحاب عناصر روسية كانت تقاتل إلى جانب الجيش المالي.
وبحسب الصحيفة، تم هذا التدخل عبر قنوات تواصل مباشرة مع موسكو، مستفيدا من علاقات الجزائر مع روسيا، فضلا عن ارتباطاتها المتشعبة مع فاعلين محليين في شمال مالي، خصوصا الجماعات الطوارقية التي تظل عنصرا حاسما في موازين القوى بالمنطقة.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن مالي تشهد تحولات ميدانية متسارعة، عقب هجمات منسقة شنتها جماعات مسلحة، من بينها تنظيمات مرتبطة بالقاعدة، ما أدى إلى إضعاف موقع الجيش المالي ودفعه إلى تبني وضع دفاعي، وهو ما انعكس على خريطة النفوذ في الشمال.
وترى “لوموند” أن هذه التطورات تعيد تشكيل التوازنات في الفضاء الصحراوي الساحلي، وتمنح الجزائر فرصة للعودة إلى دائرة التأثير، بعد تراجع دورها منذ نهاية سنة 2023، على خلفية توتر علاقاتها مع السلطات الانتقالية في باماكو.
وكانت مالي قد اتجهت خلال تلك الفترة إلى تقليص اعتمادها على الوساطة الجزائرية، خاصة بعد إنهاء العمل باتفاق السلام لسنة 2015، الذي كان يمثل إحدى أبرز أدوات النفوذ الجزائري في الملف المالي، وهو ما اعتُبر حينها ضربة مباشرة لدورها الإقليمي.
وزاد من تعقيد العلاقات بين البلدين تبادل الاتهامات، إذ اتهمت باماكو الجزائر بالتدخل في شؤونها الداخلية والتساهل مع تحركات جماعات مسلحة في الشمال، بينما نفت الجزائر هذه الاتهامات، مؤكدة التزامها بمحاربة الإرهاب.
وترى الصحيفة الفرنسية أن الجزائر تسعى إلى استثمار خبرتها في إدارة أزمات تمرد الطوارق لتعزيز موقعها كوسيط إقليمي، مستفيدة من رصيد دبلوماسي راكمته في هذا المجال.
غير أن هذا المسعى يواجه تحديات قائمة، بحسب الصحيفة، أبرزها استمرار الشكوك لدى السلطات المالية بشأن نوايا الجزائر، إلى جانب صعوبة تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على استقرار مالي ومنع تفككها، وتفادي في الآن ذاته بروز كيانات متطرفة أو انفصالية قرب حدودها الجنوبية، بما قد يشكل تهديدا مباشرا لأمنها الداخلي.