بقلم الأستاذ : عادل مزوز
قراءة تاريخية وتربوية في مسار المؤسسة وإسهامها في تكوين الكفاءات التقنية ورعاية المواهب الفنية، من الكهرباء والميكانيك إلى الفنون التطبيقية.
الثانوية التأهيلية جابر بن حيان بالدار البيضاء.. مسار تربوي يجمع بين التكوين التقني والإبداع الفني
من ذاكرة التعليم التقني إلى آفاق التكوين والإنتاج، تحضر الثانوية التأهيلية جابر بن حيان ضمن المؤسسات التعليمية التي ارتبطت بتأهيل الكفاءات وتنمية المواهب، من خلال تخصصات تجمع بين المعرفة العلمية والمهارة العملية والحس الإبداعي.
لا تُقاس قيمة المؤسسات التعليمية بعدد سنوات وجودها فحسب، بل بما تتركه من أثر في مسارات المتعلمين، وما تسهم به في إعداد الكفاءات وتنمية المواهب وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال. ومن هذا المنطلق، تستحق الثانوية التأهيلية جابر بن حيان بالدار البيضاء استحضار مسارها التاريخي والتربوي، باعتبارها مؤسسة ارتبط اسمها بالتكوين التقني والفني، وأسهمت تجربتها التعليمية في إبراز أهمية التخصصات التي تصل بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي والإبداع.
وتكتسب هذه التجربة دلالتها من ارتباطها بمدينة الدار البيضاء، التي شكلت الصناعة والتجارة والتحولات الاقتصادية أحد أبرز ملامح تطورها. ففي هذا السياق، اكتسب التعليم التقني أهمية خاصة، باعتباره مسارًا يتيح للشباب اكتساب معارف ومهارات تساعدهم على فهم محيطهم والاستعداد لمواصلة الدراسة أو الاندماج في مجالات مهنية متنوعة.
من جذور التكوين التقني إلى ترسيخ الهوية التعليمية
ترتبط الجذور التاريخية للمؤسسة، وفق معطيات منشورة حول التعليم التقني بالدار البيضاء، بالمدرسة العصرية التقنية التي أُحدثت سنة 1952. ويعكس هذا السياق أهمية التكوين المتخصص في مرحلة اتسمت بتزايد الحاجة إلى الكفاءات التقنية والمهنية. كما ورد اسم الثانوية التأهيلية جابر بن حيان بالدار البيضاء ضمن وثائق رسمية منشورة سنة 2005، بما يؤكد حضورها ضمن الخريطة التعليمية الوطنية في تلك المرحلة.
وتشكل العودة إلى هذا المسار مدخلًا لفهم أهمية المؤسسات التعليمية التي راهنت على التكوين التطبيقي، وجعلت من المدرسة فضاءً لاكتساب المهارات إلى جانب المعارف النظرية. غير أن استكمال التاريخ الدقيق للمؤسسة، وتحديد مراحل تطور تسميتها وتخصصاتها، يظل رهينًا بالرجوع إلى وثائقها الرسمية وأرشيفها التربوي.
ولا تكمن أهمية هذا التاريخ في استعادة الماضي وحده، بل في إبراز الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسة التعليمية في الاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، من خلال توفير تكوينات تتيح للمتعلمين تنويع اختياراتهم وبناء مشاريعهم الدراسية والمهنية.
الكهرباء والميكانيك.. تكوين يربط المعرفة بالممارسة
يمثل التكوين التقني أحد المداخل الأساسية لتنمية الكفاءات التي يحتاج إليها المجتمع في مجالات الصناعة والتكنولوجيا. وفي هذا الإطار، تبرز تخصصات الكهرباء والميكانيك والعلوم والتكنولوجيا الميكانيكية باعتبارها مجالات تجمع بين الفهم العلمي والتطبيق، وتساعد المتعلم على اكتساب منهجية في التحليل والتجريب وحل المشكلات.
فالتكوين في الكهرباء يتيح فهم المبادئ المرتبطة بالدوائر والأنظمة الكهربائية، بينما يساعد التكوين في الميكانيك على استيعاب مبادئ الحركة والقوى والآلات وطرائق اشتغالها. ولا تقتصر أهمية هذه المعارف على الاستعداد لممارسة مهنة معينة، بل تمتد إلى تنمية الدقة والانضباط والاستقلالية والقدرة على التعامل مع المشكلات التقنية.
ومن هنا، تتجلى القيمة التربوية للتخصصات التقنية في كونها تمنح المعرفة بعدًا عمليًا، وتتيح للمتعلمين اكتشاف قدراتهم واستثمارها في مسارات متنوعة. كما تؤكد أن المدرسة الناجحة هي التي تراعي اختلاف الميولات والاستعدادات، وتوفر فرصًا متعددة للنجاح، دون اختزال التفوق في مسار دراسي واحد.
الفنون التطبيقية.. فضاء لاكتشاف المواهب وصقل الإبداع
إلى جانب التخصصات التقنية، تحتل الفنون التطبيقية مكانة مهمة في صورة المؤسسة، بالنظر إلى ما يتيحه هذا المجال من تفاعل بين المعرفة التقنية والحس الجمالي والقدرة على الابتكار. فالتكوين الفني لا يقتصر على تعلم تقنيات الرسم والتصميم، بل يسهم في تنمية الملاحظة والتخيل والدقة، ويمنح المتعلم أدوات لتحويل الأفكار إلى أعمال ملموسة.
وقد ارتبط اسم الثانوية التأهيلية جابر بن حيان بتجارب في التكوين الفني، من بينها تجربة الفنان التشكيلي يونس الخرساني، الذي تلقى تكوينه بالمؤسسة خلال الفترة الممتدة من 1994 إلى 1997، وتعلم على يد الفنان التشكيلي محمد حميدي. وتبرز هذه التجربة أهمية التأطير التربوي في اكتشاف المواهب ومواكبتها، كما تعكس الإمكانات التي يتيحها التكوين المتخصص لبناء مسارات إبداعية.
كما تناولت تغطية صحفية سنة 2017 تجربة تلميذ من شعبة الفنون التطبيقية بالمؤسسة أنجز بورتريه للفنان المسرحي والكاتب عبد الكريم برشيد، في مثال على تفاعل التكوين المدرسي مع الحياة الثقافية، وعلى قدرة المتعلم على توظيف مكتسباته في مبادرات إبداعية تتجاوز حدود القسم.
وتؤكد هذه الشواهد أن المدرسة يمكن أن تكون أكثر من فضاء للتحصيل الدراسي؛ فهي قادرة، عندما تتوافر شروط التأطير والممارسة، على احتضان المواهب وتنمية الاستعدادات الفنية، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب في مجالات التصميم والفنون البصرية والمهن الإبداعية.
الأطر التربوية وخريجو المؤسسة.. ذاكرة تستحق التوثيق
لا يمكن استحضار تاريخ أي مؤسسة تعليمية دون الاعتراف بدور أطرها التربوية والإدارية في بناء تجربتها. فالمدرسون لا يقتصر دورهم على نقل المعارف، بل يسهمون في توجيه المتعلمين، وتنمية قدراتهم، ومساعدتهم على اكتشاف إمكاناتهم وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتحقق.
وتبرز أهمية هذا الدور بشكل خاص في التخصصات التقنية والفنية، حيث يحتاج المتعلم إلى التأطير والممارسة والتوجيه المستمر، وإلى فضاءات تسمح له بالتجريب وتطوير مهاراته. ولذلك، فإن تاريخ الثانوية التأهيلية جابر بن حيان يستحق أن يُكتب أيضًا من خلال شهادات الأساتذة والأطر الإدارية وقدماء التلاميذ، واستعادة المبادرات التي أسهمت في تطوير التكوين داخل المؤسسة.
كما أن توثيق مسارات الخريجين الذين برزوا في مجالات الفن والتقنية والهندسة والمهن المختلفة من شأنه أن يقدم صورة أكثر اكتمالًا عن أثر المؤسسة في محيطها. فكل تجربة ناجحة يمكن أن تشكل مصدر إلهام للمتعلمين، وتؤكد أن التكوين الجيد يفتح أمام الإنسان إمكانات متعددة لبناء مستقبله.
جابر بن حيان ورهانات المدرسة المغربية
إن أهمية المؤسسة لا تنفصل عن النقاش الأوسع حول مكانة التعليم التقني والفني في المنظومة التعليمية المغربية. فالتنمية تحتاج إلى كفاءات تجمع بين المعرفة النظرية والقدرة على التطبيق، كما تحتاج إلى مواهب فنية قادرة على الابتكار والإنتاج الثقافي والجمالي.
ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة دعم التكوينات المتخصصة، وتطوير تجهيزاتها وفضاءاتها التطبيقية، وتعزيز التأطير التربوي، والانفتاح على المحيط الجامعي والمهني. فالتخصصات التقنية والفنية تتطلب مواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية، حتى تظل المعارف المكتسبة مرتبطة بواقع المهن ومتطلبات المستقبل.
كما أن الاعتزاز بتاريخ المؤسسات التعليمية ينبغي أن يقترن بالعمل على تحسين حاضرها. فصيانة الذاكرة لا تعني الاكتفاء باستحضار المحطات السابقة، بل تقتضي توفير شروط التعلم الجيد، ودعم الأطر، وتشجيع الأنشطة التطبيقية والفنية، وفتح فرص أوسع أمام المتعلمين لإبراز قدراتهم.
جابر بن حيان.. تاريخ من التكوين ورهان على المستقبل
إن استحضار مسار الثانوية التأهيلية جابر بن حيان بالدار البيضاء هو استحضار لجانب من ذاكرة التكوين التقني والفني، وللدور الذي يمكن أن تضطلع به المدرسة في إعداد الإنسان وتنمية قدراته. فمن الكهرباء والميكانيك إلى الفنون التطبيقية، تبرز أهمية المسارات التي تجعل المعرفة أداة للفهم والإنجاز، وتمنح الموهبة فرصة للتحول إلى مهارة وإبداع.
وتظل الحاجة قائمة إلى توثيق تاريخ المؤسسة بصورة أشمل، من خلال جمع وثائقها وصورها وشهادات أطرها وقدماء تلاميذها، والتعريف بالتجارب التي ارتبطت بها عبر مراحلها المختلفة. فمثل هذا العمل لا يحفظ ذاكرة المؤسسة فحسب، بل يمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى تاريخها، واستلهام ما يتيحه التكوين من إمكانات لبناء المستقبل.
إن القيمة الحقيقية للمؤسسة التعليمية لا تتوقف عند ما تقدمه داخل أسوارها، بل تمتد إلى ما تزرعه في المتعلمين من معرفة ومهارة وثقة في الذات، وإلى ما تفتحه أمامهم من آفاق علمية ومهنية وإبداعية. ومن هنا، فإن الثانوية التأهيلية جابر بن حيان ليست مجرد محطة في المسار الدراسي لأجيال من الشباب، بل تجربة تربوية تستحق التوثيق والتثمين، ورصيدًا ينبغي استثماره في تطوير الحاضر والاستعداد للمستقبل.
فحين تنجح المدرسة في الجمع بين العلم والتقنية والفن، فإنها لا تمنح المتعلم شهادة فحسب، بل تساعده على اكتشاف قدراته وصناعة مساره والمساهمة في بناء مجتمعه. وتلك هي الرسالة التي تجعل من تاريخ المؤسسات التعليمية ذاكرة حية، ومن حاضرها مسؤولية مشتركة، ومن مستقبلها أفقًا للأمل والإبداع.