من العاطفة إلى المصالح: كيف تغيّر مفهوم الحب؟ وما صلة ظاهرة “شوكر دادي” بالتحولات الأخلاقية

 

 

من القلب إلى الحساب البنكي:
كيف تغيّرت معادلة الحب؟ وماعلاقة ظاهرة “سوكر دادي” بالانحراف الأخلاقي؟ وهل هي نتيجة أزمة سلوك… أم أزمة تربية؟
لم يكن الحب، في الأزمنة التي خلت، سلعةً تُعرض في واجهات الحياة، ولا كان القلب يُقايَض بالمال كما تُقايَض السلع في الأسواق. كان الإنسان—على ما فيه من ضعفٍ وقوة—يحتفظ بشيء من نقاء العلاقة، يربطها بالمودة والاختيار الحر. غير أنّ عالم اليوم، وقد أثقلته الأزمات وتسارعت فيه الإيقاعات، أفرز أنماطًا جديدة من العلاقات، لعلّ أبرزها ما يُعرف بظاهرة “سوكر دادي”، حيث تتداخل الحاجة بالعاطفة، ويتجاور الوجدان مع الحساب.
هذه الظاهرة، التي كانت إلى عهد قريب تُمارَس في الخفاء، خرجت إلى العلن بفعل التحولات الرقمية، حتى غدت موضوعًا للنقاش العمومي، ومرآةً تعكس اختلالات أعمق في بنية المجتمع.

في تعريفها البسيط، تشير هذه العلاقات إلى ارتباط بين رجل ميسور—غالبًا ما يكون متقدمًا في السن—وشابة، يقوم على تبادل المنفعة: دعم مادي في مقابل مرافقة أو اهتمام. غير أنّ هذا التعريف، على بساطته، يُخفي وراءه تعقيدًا إنسانيًا وأخلاقيًا بالغ العمق.

ولعلّ لغة الأرقام تُسهم في تقريب صورة هذه الظاهرة. فقد تجاوز عدد المنخرطين في هذا النمط من العلاقات عالميًا 6.3 مليون مستخدم، مع تسجيل أكثر من 107 مليون رسالة متبادلة خلال عام واحد. ويبلغ متوسط الدعم المالي الشهري حوالي 3200 دولار، وقد يرتفع في بعض الحالات إلى أرقام فلكية. كما تُشير المعطيات إلى أن نحو 38% من المشاركات هن طالبات جامعيات، وهو ما يكشف ارتباط الظاهرة بسياقات اقتصادية وتعليمية. والأكثر دلالة أن حوالي 80% من هذه الموارد المالية تُوجَّه إلى نفقات أساسية، مثل السكن والدراسة وسداد الديون، لا إلى الكماليات كما قد يُتصوَّر.

ويمكن تبسيط توزيع هذه النفقات على النحو الآتي: السكن (43%)، التعليم (20%)، الديون (17%)، الادخار (12%)، الكماليات (6%). إن هذا التوزيع لا يعكس نزوعًا إلى الترف، بقدر ما يكشف عن محاولةٍ للنجاة في عالمٍ يزداد قسوة.

غير أنّ الأرقام—على أهميتها—لا تفسر وحدها نشأة الظاهرة، إذ تقف وراءها أسباب متشابكة، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والنفسية والثقافية.

فمن جهة أولى، تلعب الضغوط الاقتصادية دورًا حاسمًا؛ إذ يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام تكاليف دراسة مرتفعة، وفرص عمل محدودة، مما يدفع بعضهم إلى البحث عن موارد بديلة، ولو كانت إشكالية. ومن جهة ثانية، تسهم الثقافة الاستهلاكية في تضخيم الحاجات والرغبات، حيث تُقدَّم الرفاهية بوصفها معيارًا للنجاح، فينشأ جيل يرى في المال طريقًا مختصرًا لتحقيق الاعتراف الاجتماعي.

ومن جهة ثالثة، لا يمكن إغفال دور وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تكتفي بعرض هذا النمط من العلاقات، بل تُضفي عليه بريقًا زائفًا، فيُخيَّل للناشئة أنّه سبيل يسير نحو حياة أفضل. وهنا تتداخل الصورة بالوهم، والرغبة بالحاجة.

كما تلعب الهشاشة النفسية وضعف التأطير القيمي دورًا لا يقل أهمية، إذ قد يفتقر بعض الشباب إلى نماذج إيجابية، أو إلى وعي نقدي يمكّنهم من التمييز بين ما هو ممكن وما هو مُضلِّل.
وأمام هذه الأسباب، تبرز نتائج لا تقل خطورة، خاصة على فئة الناشئة التي ما تزال في طور التشكّل.
أول هذه النتائج هو تشويه مفهوم العلاقة الإنسانية، حيث يُختزل الحب في المنفعة، ويُنظر إلى الآخر بوصفه وسيلة لا غاية. وثانيها هو ترسيخ النزعة المادية، إذ يُربط النجاح بالقيمة المالية وحدها، فتتراجع قيم العمل والاجتهاد والتدرج.
كما قد تؤدي هذه الظاهرة إلى اضطرابات نفسية، تتجلى في الشعور بالفراغ أو فقدان المعنى، نتيجة غياب علاقة إنسانية متوازنة. ولا يُستبعد أن تُنتج أيضًا نوعًا من التبعية أو الاستغلال غير المباشر، خاصة في ظل اختلال موازين القوة بين الأطراف.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن انتشار هذا النمط من العلاقات قد يُسهم في إضعاف الثقة في مؤسسة الأسرة، ويُربك المعايير الأخلاقية، خاصة حين يتقاطع مع علاقات قائمة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن أمام حريةٍ فردية خالصة، أم أمام شكلٍ من الإكراه المقنّع؟
قد يبدو الأمر، في ظاهره، اختيارًا حرًا بين طرفين راشدين، غير أن التدقيق يُظهر أن الحاجة الاقتصادية تلعب دورًا حاسمًا في توجيه هذا “الاختيار”. فحين تُصبح الدراسة مهددة، أو السكن غير مضمون، يغدو القرار أقل حريةً مما يبدو.
غير أنّ مقاربة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقف عند حدود الإدانة الأخلاقية، كما لا يصحّ أن تنزلق إلى تبريرٍ ساذج. فهي، في حقيقتها، نتاج تفاعل معقد بين ضغوط اقتصادية متزايدة، وثقافة استهلاكية تُعلي من شأن المال، وتحولات في مفهوم العلاقة الإنسانية.
إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في الظاهرة ذاتها، بل فيما تشير إليه من تحوّل في نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى الآخر. فحين تُختزل العلاقات في منطق المنفعة، يفقد الإنسان شيئًا من إنسانيته، ولو احتفظ بمظاهر الرفاه.
ولعلّ ما نحتاجه اليوم ليس حكمًا قاسيًا ولا تبريرًا مريحًا، بل تفكيرًا هادئًا في جذور هذه الظاهرة: في التعليم، في العدالة الاجتماعية، في القيم التي نغرسها في الأجيال الصاعدة.
فإذا كان لكل عصرٍ أمراضه، فإنّ أخطر أمراض عصرنا أن يتحول الإنسان إلى وسيلة، وأن تتحول العلاقة إلى صفقة.
وحينها، لن يكون السؤال: هل هذه الظاهرة مقبولة أم مرفوضة؟
بل: كيف نحفظ للإنسان ما تبقى من معناه في عالمٍ يوشك أن يُسعِّر كل شيء؟
ولعلّ أخطر ما تكشف عنه هذه الظاهرة، ليس ما يظهر على السطح من علاقاتٍ ملتبسة، بل ما يختفي في العمق من خللٍ في بناء الإنسان نفسه.
فنحن لا نواجه فقط أزمة اقتصاد تُثقل كاهل الشباب، بل نواجه—في صمتٍ ثقيل—أزمة تربيةٍ لم تعد قادرة على غرس المعنى، ولا على حماية العاطفة من الانزلاق نحو التشييء.
لقد صار الناشئ يتعلّم كيف ينجح، لكنه لا يتعلّم كيف يحب؛
يتقن حساب الربح والخسارة، لكنه يجهل معنى الارتباط الصادق.
وهنا، لا يعود السؤال موجّهًا إلى الأفراد بقدر ما يُطرح على الأسرة، والمدرسة، والمجتمع بأسره:
ماذا علّمنا أبناءنا عن الحب؟
وماذا تركنا لهم ليواجهوا به هذا العالم القاسي؟
فإن كانت بعض العلاقات اليوم تُبنى على المال، فربما لأن التربية لم تعد تبني ما يكفي من المعنى.
وإن كانت العواطف تُختزل في المنفعة، فلعلّ ذلك لأننا لم نُحسن تعليم الأجيال كيف تكون العاطفة قيمة، لا وسيلة.
وهكذا، يبقى الباب مفتوحًا لا لإدانة ظاهرةٍ بعينها، بل لمساءلة أعمق:
هل ما نعيشه أزمة سلوك… أم أزمة تربية؟
وهل ما فقدناه هو المال… أم القدرة على أن نحب كما ينبغي؟

 

بقلم الأستاذة : عادل مزوز

الانحراف الأخلاقيالحساب البنكيالعاطفةشوكر دادي
تعليقات (0)
أضف تعليق