Ultimate magazine theme for WordPress.

الباكلوريا..من شهادة استثنائية إلى شرط شبه ضروري للاندماج الاجتماعي والمهني

0

منذ أن أرسى نابليون بونابرت قواعد شهادة البكالوريا في فرنسا عام 1808 كآلية نخبوية لضبط الولوج إلى الجامعة، لم يتوقع أحد أن تتحول هذه الشهادة إلى “حدث اجتماعي كوني” يرهن مصير الملايين، حيث انتقلت عبر التاريخ من منطق الانتقاء الضيق إلى منطق التعميم الجماهيري. ففي المغرب، يعكس تسجيل أكثر من 500 ألف مترشح سنوياً، بنسب نجاح تتأرجح بين 60% و70%، تحولاً جذرياً نحو تعليم “كتلي” جعل من الشهادة شرطاً أدنى للاندماج الاجتماعي، لكنه في المقابل أدى إلى تراجع قيمتها الرمزية وتضخم معدلاتها التي تجاوزت في بعض المسالك العلمية والتقنية نسبة 20% للحاصلين على ميزات عليا. هذا التوسع الإحصائي لا يخلو من مفارقات عميقة؛ إذ يؤكد عالم الاجتماع بيير بورديو أن المدرسة، من خلال هذه الشهادات، تساهم في “إعادة إنتاج البنية الاجتماعية”، حيث تبدو البكالوريا مكافأة على الاستحقاق الفردي بينما هي في الواقع تكرس تفاوتاً في الحظوظ الثقافية والمادية بين القطاعين العام والخصوصي.
​ورغم أن البكالوريا تظل امتحانًا وطنياً يضمن نظرياً تكافؤ الفرص ويجسد روح التنوير الكانطية التي تسعى لتحرير الإنسان من حالة “القصور”، إلا أن ممارستها الواقعية تواجه انتقادات تربوية حادة. فهي لا تزال سجينة بيداغوجيا “الشحن والاستظهار” التي تقيس الذاكرة قصيرة المدى بدلاً من قياس مهارات النقد والابتكار، مما يحول العملية التعليمية إلى ما يشبه “التعليم البنكي” الذي ينتج عقولاً تحفظ ولا تحلل. هذا الضغط البنيوي يولد استنزافاً نفسياً هائلاً لدى المتعلمين، حيث تُختزل سنوات من التحصيل في لحظة اختبارية واحدة قد تُقصي كفاءات حقيقية لمجرد تعثر رقمي عابر. وهنا يستحضر فكر جون ديوي الذي اعتبر أن “التعليم هو الحياة نفسها” وليس مجرد إعداد لها، مما يجعل من اختزال ذكاء الإنسان في نقطة رقمية نوعاً من “الهدر الإنساني” الذي لا يراعي تنوع القدرات. إن الفجوة العميقة بين نسب النجاح المرتفعة وبين واقع “الهدر الجامعي” الذي يدفع بنحو 30% من الطلبة لمغادرة مدرجات الجامعة في سنتهم الأولى، تؤكد أن نظام البكالوريا الحالي يحتاج إلى إعادة تفكير جذرية؛ تنقلنا من “هوس المعدل” إلى “جودة الكفاءة”، ومن تضخم الأرقام إلى بناء إنسان حر قادر على مواجهة تحديات العصر بعيداً عن مقصلة الأرقام الباردة.

 

 

بقلم الأستاذ : عادل مزوز

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد