من معرض الرباط الدولي للكتاب: ندوة تسلط الضوء على تكامل القضاءين المالي والجنائي لحماية المال العام
شكلت الندوة العلمية المخصصة لتدارس آليات التعاون بين المجلس الأعلى للحسابات ورئاسة النيابة العامة منصة فكرية وقانونية رصينة لتسليط الضوء على الأبعاد الاستراتيجية لحماية المال العام.
وفي هذا السياق، قدمت خديجة أكرام، وكيل الملك لدى المجلس الجهوي للحسابات لجهة الرباط سلا القنيطرة، عرضا مفصلا تناول هندسة العمل الرقابي والقضائي، مبرزة أن صيانة المقدرات العمومية تقتضي تظافر الجهود بين مختلف المؤسسات الدستورية المعنية، وهو ما يعكس رغبة الدولة في إرساء دعائم الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق رؤية منسجمة تتجاوز حدود التخصصات الضيقة لتصب في مصلحة حماية الاقتصاد الوطني.
واستهلت أكرام مداخلتها بالتركيز على المادة 111 من مدونة المحاكم المالية بوصفها حجر الزاوية في تدبير العلاقة التفاعلية بين القضاء المالي والقضاء الزجري، إذ أوضحت أن هذه المادة تنظم بدقة مسارات إحالة الملفات التي تنطوي على أفعال ذات طبيعة جنائية، حيث يتولى الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات نقل هذه الملفات إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، وتعد هذه الإحالة إجراء قانونيا حاسما يضمن عدم إفلات المتلاعبين بالمال العام من العقاب، ويحول الملاحظات الرقابية إلى متابعات قضائية فاعلة تمتلك القوة الردعية اللازمة.
وعرجت المتدخلة على الجانب التوثيقي والإثباتي في هذه الإحالات، مؤكدة أن الملفات المحالة لا تقتصر على مجرد إخبارات عامة، بل ترفق بتقارير تفصيلية تتضمن جرد للمخالفات المرصودة، مشفوعة بجميع الوثائق والمستندات والقرائن التي تم تجميعها أثناء ممارسة المهام الرقابية.
وأفادت المسؤولة القضائية أن هذا التكامل المعرفي يسهل عمل النيابة العامة في تكييف الأفعال وبناء المتابعات على أساس واقعي وقانوني متين، مما يقلص من زمن العدالة الجنائية ويمنح القضاة أدوات اشتغال جاهزة ومبنية على فحص دقيق للحسابات العمومية وطرق صرفها.
وفي سياق تعزيز الشفافية بين المؤسستين، توقفت خديجة أكرام عند آلية “التغذية العكسية” التي أقرتها المادة 111، والتي تلزم رئيس النيابة العامة بإخبار الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات بمآل الملفات المحالة عليه بصفة دورية، وهذه الحلقة من التواصل تضمن استمرارية الرقابة وتسمح للمحاكم المالية بتتبع مجهوداتها في مكافحة الفساد، كما تتيح تقييما دوريا لنجاعة الإحالات ومدى قدرتها على التحول إلى أحكام قضائية نهائية، مما يكرس ثقة المواطن في المؤسسات الرقابية للدولة.
ولم تغفل المداخلة استحضار المرجعية الدستورية من خلال الفصل 148 الذي يكرس مبدأ المساعدة التي يقدمها المجلس الأعلى للحسابات للهيئات القضائية، وهو ما فصلت فيه المادة 95 مكرر من مدونة المحاكم المالية، حيث يمتد التعاون ليشمل تبادل الأحكام والوثائق المتعلقة بالملفات الرائجة أمام محاكم المملكة.
وحسب ذات المتدخلة، فإن هذا التنسيق الذي يتم تحت إشراف الوكلاء العامين في المؤسستين يهدف إلى خلق بنك معلوماتي وقانوني مشترك يخدم العدالة المالية، ويضمن توحيد الرؤى في التعامل مع القضايا الشائكة التي تتداخل فيها الاختصاصات القضائية المختلفة.
وتوسعت وكيل الملك لدى المجلس الجهوي للحسابات في شرح تصنيفات اختصاصات المحاكم المالية، مفصلة في المهام القضائية التي تشمل التدقيق والبت في حسابات المحاسبين العموميين، بالإضافة إلى التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، وهو اختصاص عقابي يستهدف تصحيح الانحرافات المالية وفرض غرامات على المخالفين، بل ويتجاوز ذلك إلى إلزام المسؤولين بإرجاع الأموال في حال ثبت وجود خسارة فعلية لحقت بميزانية الجهاز المعني، مما يجعل من القضاء المالي أداة مباشرة لاسترداد الحقوق المالية للدولة وحماية التوازنات الاقتصادية.
وتحدثت الوكيلة عن تبيان الأدوار غير القضائية التي يضطلع بها المجلس، والتي تكتسي طابعا رقابيا واستشاريا واسعا، بدءا من مراقبة التسيير وفحص كفاءة تدبير المؤسسات العمومية، وصولا إلى تتبع التصاريح بالممتلكات ومراقبة حسابات الأحزاب السياسية، فالمجلس لا يعمل فقط كجهاز زجري، بل كشريك في تطوير الأداء الإداري عبر تقديم الاستشارات للبرلمان والحكومة، وهو ما يرسم صورة شاملة لمؤسسة تسهر على ضمان استعمال الأموال العمومية في الأغراض المخصصة لها، وضمان سيادة القانون في تدبير الشأن العام.
تكامل الرقابة والقضاء
في ذات الصدد، أوضح القاضي منصف لمتوني أن ازدواجية الطبيعة القانونية لبعض الأفعال المرتكبة في مجال تدبير الشأن العام بوصفها حجر الزاوية في منظومة الرقابة القضائية، تتجلى في بعض التصرفات التي قد تكتسي صبغة مخالفات مالية تقع ضمن اختصاصات المحاكم المالية، لكنها تتقاطع في الآن ذاته مع جرائم جنائية يعاقب عليها القانون العام، كما هو الشأن في واقعة الحصول على منفعة غير مبررة التي قد تشكل جريمة رشوة أو استغلال نفوذ، أو مخالفة قواعد النفقات التي قد تنطوي على جريمة الغدر، مما يمنح الفعل وجها إداريا ووجها زجريا يستوجب إحالة الملف على القضاء المختص لاتخاذ المتعين في حق مرتكبيه.
وأكد اللمتوني أن حماية المال العام وتخليق الحياة العامة هما هدف استراتيجي يقع في قلب السياسة الجنائية التي تنفذها رئاسة النيابة العامة، موضحا أن هذا التوجه يستمد شرعيته من المبادئ الدستورية الراسخة، وعلى رأسها مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتكريس التعاون بين السلط؛ وهو ما جعل من مكافحة الفساد أولوية قصوى تدار بمقاربة متكاملة تدمج بين الرقابة الإدارية الاستباقية والزجر القضائي الصارم.
وفي سياق تعزيز آليات الرقابة، شدد اللمتوني على أهمية التنسيق المشترك بين رئاسة النيابة العامة والمؤسسات الدستورية المعنية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، وهذا التعاون لا يقف عند حدود تبادل التقارير، بل يمتد ليشمل تقديم الدعم التقني والمعلوماتي أثناء التحقيقات القضائية، مما يضمن محاصرة أي تبديد أو هدر للموارد العمومية عبر منظومة رقابية متصلة الحلقات.
كما سلط اللمتوني الضوء على الدور المحوري للمادة 111 من مدونة المحاكم المالية، موضحا التمايز الدقيق والتكامل الضروري بين الاختصاصات القضائية للمحاكم المالية وبين الدور الزجري للنيابة العامة، مشيرا إلى أن المخالفات التي يرصدها قضاة المجلس الأعلى للحسابات خلال مهام التدقيق والافتحاص قد تتجاوز الشق الإداري والمالي لتكتسي صبغة “جنائية”، وهنا يأتي دور الوكيل العام للملك لدى المجلس لإحالة الملفات إلى النيابة العامة المختصة لمباشرة المتابعات القضائية اللازمة.
وخلص القاضي اللمتوني بتوضيح مسار الملفات المالية أمام القضاء، حيث لا ينتهي دور المجلس الأعلى للحسابات عند الإحالة، بل يستمر كـ جهاز مساند للهيئة القضائية، فخلال مراحل المتابعة والتحقيق وحتى صدور الأحكام النهائية، يظل المجلس مصدرا أساسيا لتزويد المحاكم بالوثائق، والتقارير، والإيضاحات الفنية الضرورية، مما يعزز من كفاءة العدالة الجنائية في استرداد الأموال المنهوبة وضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب.