Ultimate magazine theme for WordPress.

أزمةُ الوعيِ المعاصر : حين تزاحمُ “الخوارزميةُ” وقارَ “السبورة”

Screenshot
0

• ​
​”إنَّ الإشكاليةَ الجوهريةَ التي تفرضُ نفسها اليوم على بساطِ البحثِ الفلسفي والتربوي، لا تكمنُ في المقارنةِ السطحيةِ بين وسيلةٍ تعليميةٍ وأخرى، بل تضربُ بجذورِها في عمقِ “فلسفةِ الوعي”. فبينما تنهضُ المدرسةُ بوصفها مؤسسةً أخلاقيةً ومعرفيةً غايتها بناءُ الإنسانِ وَفقَ تراتبيةٍ منهجيةٍ وقيميةٍ ثابتة، يبرزُ الهاتفُ الذكي كـ “فضاءٍ سائل” يفتقرُ إلى المركزية، ويُعيدُ صياغةَ إدراكِ المتعلمِ عبرَ تدفقٍ لا نهائي من المعلوماتِ المبتسرة.

​نحنُ هنا أمامَ صراعٍ وجودي بين “الأصالةِ” التي تمنحُ المعنى، وبين “التقنيةِ” التي تمنحُ القوة؛ صراعٌ يتساءلُ في جوهره: هل الوعيُ نتاجُ تأملٍ وبناءٍ تراكمي، أم هو مجردُ انعكاسٍ لسرعةِ الضوءِ خلفَ الشاشات؟ في هذا الحوار، نتقصى ملامحَ هذه الفجوة، ونبحثُ عن “الحقيقة” في زمنٍ ضاعت فيه الحدودُ بين المعلومةِ والحكمة.”
​توطئة:
خُيل إليّ، وما أكثر ما يخيّل إلى المرء في ساعات السحر، أنني أشهد خصومةً غريبة، لم تُعهد في كتب الأقدمين، ولم يتنبأ بها الفلاسفة الغابرون. خصومةً بين جدران المدرسة العتيقة، وبين ذلك القادم الصغير الوافد، الذي يملأ الدنيا ويشغل الناس، والناس عنه غير غافلين.. إنه “الهاتف الذكي”.

​المدرسة (بصوت رصين يملؤه الوقار والأسى):
“يا هذا، لقد أطلتَ البقاء، واستبحتَ الحمى، وما كان لك أن تفعل. ألا ترى أنك قد زاحمتني في أقدس ما أملك؟ إنني أصنع العقول على عيني، وأبني الوعي لبنةً لبنة، وأغرس في نفوس الصغار قيم الصبر والتروي، فجئتَ أنت ببريقك الخاطف، وسرعتك التي لا تعرف أناة، لتختطف الأبصار، وتستلب القلوب، وتتركني أطلالاً من ماضٍ يوشك أن يندثر.”
​الهاتف الذكي (بصوتٍ حاد، سريع الإيقاع، يلمع بذكاء مريب):
“مهلاً يا جارة الزمان، ورفيقة العصور. إنكِ تتحدثين بلغةٍ قد أكل الدهر عليها وشرب، لغةٍ ترى الوعي حكراً على الدروس الملقاة، والكتب المكدسة. إنني لستُ غازياً، بل أنا “الواقع” الذي أبت رؤيتكِ أن تبصره. أنا أمنح المتعلم الدنيا في قبضة يده، وأفتح له من آفاق المعرفة ما لا تملكه جدرانكِ الأربعة. أنا الوعي المتجدد، واللحظة الآنية، فكيف تزعمين أنكِ الأحق بتشكيل عقلٍ بات يجد فيّ حياته، وفي صمتكِ ضجره؟”

​المدرسة (مسترسلة في إيقاعها الهادئ):
“ويحك! إن ما تمنحه ليس وعياً، بل هو شتات، وما تقدمه ليس معرفة، بل هو فتات. أنت تعطي “المعلومة” وتسلب “المنهج”. أنت تمنحهم “الجواب” وتحرمهم “لذة السؤال”. إن الوعي الذي أنشده هو ذلك الذي ينمو في ظلال التأمل، وبين ثنايا الحوار الإنساني، حين تلتقي العين بالعين، والروح بالروح. أما أنت، فما أنت إلا مرآةٌ صقيلة، تعكس أهواءهم، وتغرقهم في بحرٍ من الصور الزائفة التي لا تغني من الحق شيئاً.”

​الهاتف الذكي (بلهجة فيها شيء من السخرية المبطنة):
“أتقولين “زائفة”؟ بل قولي إنها “متعددة”. إنكِ تريدين وعياً نمطياً، يُصب في قوالب جاهزة، ويُقاس بمسطرة الامتحانات الضيقة. أما أنا، فأنا الحرية؛ أنا الذي أجعل المتعلم هو السيد، يختار ما يشاء، وقتما يشاء. لستُ أنا من يصنع وعيه، بل هو من يشكل وعيه من خلالي. لقد ولّى زمن الوصاية يا سيدة المعرفة، وأقبل زمن التفاعل، حيث لا سلطان لأحدٍ على عقلٍ يسبح في فضاءٍ لا نهاية له.”

​المدرسة (وقد أخذتها حدة الوجد):
“الحرية؟ إنك تسيء فهم الكلمة كما يسيء الجاهل فهم الحكمة. إن حريةً بلا ضابط هي الفوضى بعينها، ووعياً بلا أساس هو البناء على الرمل. إنني لا أريد “الوصاية” لذاتها، بل أريد “الحماية” لصاحبها. إن هذا الصغير الذي تزهو بافتتانه بك، ليس إلا ريشةً في مهب ريح خوارزمياتك. أنت لا تعلمه كيف يفكر، بل تعلمه كيف يستهلك. والفرق بين التفكير والاستهلاك، هو الفرق بين الحياة والعدم.”

​الخاتمة (بصوت الراوي):
وهكذا استمر الحوار، لا المدرسةُ لانت، ولا الهاتفُ استكان. وبقي المتعلم بينهما حائراً، يرجو وقار المدرسة، ولا يصبر عن إغراء الهاتف. ولعل الصدق، كل الصدق، يكمن في أن الوعي لا يُشكل بالانغلاق في الماضي، ولا بالانغماس الكلي في ضجيج الآلة، بل في عقلٍ يجمع بين الحكمة والوسيلة، وبين القيم والأداة.

​هل ترغب في أن أقوم بتحويل هذا الحوار إلى نص مسرحي قصير بأسماء شخصيات محددة، أم نكتفي بهذا الطرح السردي؟

 

بقلم الأستاذ عادل مزوز

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد